الشيخ حسن المصطفوي
30
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فهمه . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو تناول شيء مايع أو كالمائع مادّيّا أو معنويّا ، ويقابله الأكل . فالمايع المادّيّ كما في : . * ( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ ا للهِ ) * ، * ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ) * ، * ( فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ) * ، * ( ماءً لَكُمْ مِنْه ُ شَرابٌ ) * ، * ( فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه ْ ) * . وما هو كالمائع كما في : . * ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) * . . . . * ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه ُ ) * . يراد العسل ، فانّ المائع ما لا يحتاج إلى المضغ . والمعنويّ كما في : . * ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) * - 2 / 93 . فالإشراب يطلق في مورد لا يكون الشرب بنحو طبيعيّ فيه كما في غير الحيوان أو فيه بالجبر . والعجل ليس من المائعات ، ولكنّ المراد نفوذ شأنه وجريان حبّه ، وهذا النحو من جريان الأمر ونفوذ المقام والتمكين في القلوب : شرب معنويّ وتناول باطنيّ . والتعبير بالعجل دون نفوذه وجريان أمره : للمبالغة ، فكأنّ العجل من جميع جهاته وخصوصيّاته قد اشرب واجري في القلوب . والشرب في الآخرة كما في : . * ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) * ، * ( فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) * ، * ( وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) * ، * ( لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ) * . فمن المسلَّم أنّ الموضوعات والمحمولات في عوالم الآخرة مغايرة لما في الحياة الدنيا المادّية ، وأمّا خصوصيّاتها وكيفيّة حدود الجسمانيّة والروحانيّة فيها : فغير قابلة للبحث والتحقيق بهذه القوى والإدراكات المحدودة الضعيفة . والمفهوم الكلَّيّ : هو تناول ما كان لطيفا وله جريان في الذائقة ، أعمّ من أن تكون الذائقة من أيّ سنخ ومن أيّ عالم .